سليمان الريسوني يكتب: «كفار» و«مسلمون»

الاثنين 20 أبريل 2020

سليمان الريسوني يكتب: «كفار» و«مسلمون»
قلم : سليمان الريسوني

في التاريخ، من الحتمي أن يثير حدث بحجم ووقع فيروس كورونا، إلى جانب الخوف والمقاومة، قلقا عابرا للحدود، وأسئلة حول مصدره، وهل هو صدفة أم مؤامرة دبرت بليل؟ ومن دبرها -إذا كانت كذلك- ولأي غرض؟ يتبلور هذا القلق العالمي المشترك، أيضا، في أشكال تتنوع وتختلف من بلد إلى آخر. عندنا، في المغرب، سوف ينفجر على شكل نقاش، ظل مؤجلا، حول الطب البديل، وقد كان الأمر، حتى هذه الحدود، معقولا ومقبولا، خصوصا أننا في بلد يعرف خصاصا كبيرا في عدد الأطباء، قدرته الهيئة الوطنية للأطباء في ما لا يقل عن 32 ألف طبيب، حيث يعوض كثير من المغاربة ذلك بالإقبال على الطب البديل، الذي لم يعد حكرا على المعوزين، بل أصبح يعرف إقبالا لافتا حتى من الطبقة الوسطى «العليا» والميسورين الذين باتوا يبحثون عن حياة طبيعية، سواء عبر العلاج التقليدي، أو الغذاء «البيو»، أو الهجرة من المدن إلى الهوامش. وحسب منظمة الصحة العالمية، فإن ما بين 65 و80 في المائة من سكان العالم أصبحوا يعتمدون على الطب البديل شكلا أساسيا للرعاية الصحية، لذلك قامت المنظمة، منذ 2002، بوضع استراتيجية لإدماج هذا النوع من الطب في صلب النظم الصحية على الصعيد العالمي.


لكن، ما يميز نقاشنا حول هذا الموضوع عن باقي العالم، هو أننا، في المغرب، نناقش الأطباء البدلاء أكثر من مناقشتنا الطب البديل. لكن، أي نقاش؟ فإذا كان أنصار هذا النوع من الطب في العالم يواجهون رافضيه، بهدوء، بأدلة علمية وتجريبية عن فاعليته الصحية وفلسفته البيئية… فإن أغلب مناقشي هذا الموضوع عندنا ينقلونه من حقل الطب والتغذية إلى الحقل الديني، بعدما يكونون قد نقلوه من نقاش حول الطب إلى نقاش حول الطبيب أو الخبير.



إن هذا الانحراف المزدوج في النقاش هو انعكاس تلقائي لمجتمع سلطة الأفراد فيه فوق سلطة المؤسسات، وبالتالي، تكون حاجة المجتمع، النفسية، إلى البطل الطهوري المخلص أكثر من حاجته إلى المؤسسات. هذا أولا، وثانيا، لأنه مجتمع لم يحسم، بعد، نقاش الدين والسياسة، وبالتالي، فمن غير المستغرب أن يطغى لدينا نقاش الشخص على نقاش سلطته الرمزية (العلمية)، كما أنه من غير المستغرب أن ينال كل كلام حول الصحة نصيبه من شعار: «الإسلام هو الحل»، حتى بعدما جرى تفكيك هذا الشعار والتخلي عنه في مظانه ومراكزه الإخوانية. ثالثا، إن هذا يحدث في مجتمع شفهي الثقافة (مِهذار) يسمي الكلام «هدرة» والفِراش الدافئ الذي تحلو «الهدرة» فوقه «هيدورة». مجتمع يختلط لديه الكلام بالصراخ، فالمتحدث عندنا «كيدوي» من: دوَى يدوِي، ادْوِ، دوِيًّا، فهو داوٍ. ودَوَى الرَّعْدُ: دَوَّى، أَرْعَدَ، سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ مُجَلْجِلٌ (قاموس المعاني)، مجتمع لم تُكرس فيه بعد ثقافة الحوار والإصغاء إلى الآخر المختلف، والدليل أن الواحد منّا يُحدثك، وعندما يأتي دورك في الحديث، يستمع إليك، لكنه لا يتوقف عن الكلام، لذلك، نشتق فعل الإنصات من اللغو: «اتسْلغى له»، أي استمعَ إليه دون أن يتوقف عن اللّغوِ. لهذه الأسباب الثلاثة يجب ألا نستغرب انحراف كل نقاش مهم عن غاياته، لأننا بقينا نجتر خاصيات التفكير الشفهي حتى بعدما انتقلنا إلى المكتوب، والمكتوب الإلكتروني. وكما يلاحظ عبد السلام بنعبد العالي، فاللغة العربية تقرن العين بالتفكير، والأذن بالأخلاق فنقول: «صوت الضمير» و«عين العقل»، لذلك، فنقاشاتنا وتمثلاتنا المحكومة بالمنطق الشفهي، تبتعد، في أغلبها، عن العقل إلى الأخلاق بمعناها الضيق والمنغلق، فيغرينا التحريم والتأثيم، أكثر من المصلحة والمنفعة.

لكن المستغرب هو أن نجد خبيرا ودكتورا، وهلم جرا، ينزل من مكانته العلمية إلى ما يطلبه المستمعون. وبدلا من أن يرقى بجمهوره ليجعل منه جمهورا واعيا بأهمية مقولاته في الصحة، لا جمهورا مسحورا بكلماته ذات المسحة الإيمانية.. نجده ينساق وراء الجوقة، وينخرط، بدوره، جنب جمهوره في معركة «كفار» و«مسلمين»، التي ينجر إليها حتى بعض الذين يدعون العقلانية والحداثة، والذين، بعدما كانوا ينتقدون هذا الخبير (الدكتور الفايد مثلا)، في أمور محددة، تجدهم يتحولون إلى استئصاليين يحرقون أخضر الرجل بيابسه، فيقوِّلونه ما لم يقله، ويؤولون كلامه بشكل مغرض…

شخصيا، عندما تطفو، من حين إلى آخر، نقاشات حول مسائل علمية، وتتحول إلى معارك كلامية تقوم على المديح الذي يصل حد التقديس، والهجاء الذي ينزل إلى التدنيس، أتذكر السؤال الذي طرحه عبد الفتاح كيليطو، في سياق حديثه عن شرح ابن رشد لمؤلفات أرسطو، وكيف لم ينتبه المعلم الثاني إلى خطأ ترجمة كلمة تراجيديا إلى مديح وكوميديا إلى هجاء. حيث يتساءل كيليطو: «يحدث أحيانا أن نجد أنفسنا نتخيل ما كان سيكون عليه الأدب العربي لو أن مؤلَّف أرسطو كان قد ترجم ترجمة «صحيحة»…». هكذا أجدني أتساءل، بدوري، ليس للتحسر بل للفهم: «لو أننا، نحن العرب، قرأنا التراث اليوناني بشكل «جيد»، هل كنا سنتحول من شعوب عاطفية، تبكي وهي تمدح، بتقديس، من تحب، أو تبكي وهي تهجو، حد التدنيس، من تكره، إلى شعوب متسلحة بالجدل والنقد، تحب وتكره بقليل من العواطف وكثير من المصالح.. شعوب تؤمن بأن الآخر المختلف إضافة مهمة وضرورة للتنوع اللازم لتطور المجتمعات، وليس جحيما؟».


.