صوت وصورة

محاضرة للدكتور التجاني بولعوالي بجامعة فاس المغرب حول أدب الهجرة ومفهوم "العمال الضيوف في هولندا"

شاهدوا فيديو يوثق لحظة وصول مهاجرين انطلقوا من الريف بينهم شباب من بن الطيب

شرطيات هولنديات يرقصن على إيقاع الركادة في حفل زفاف مغربي (فيديو)

فيديو .. خيبة أمل في صفوف الجالية المغربية بهولندا

شاهد لحظة فرار شاب بعد توقيفه بسبب عدم ارتداء الكمامة

موسم فلاحي جيد بمنطقة الريف رغم التأثيرات السلبية لجائحة كورونا (فيديو)

بالفيديو: ابنة عين زورة المنشدة سلوى العمراوي تشارك في برنامج ثمسيزوارين ن رمضان

شاهد فيديو الدكتور التجاني بولعوالي : هل الاسلام دين متسامح؟

الحقيقة الغائبة في قضية "آيا صوفيا"


الخميس 16 يوليوز 2020

الحقيقة الغائبة في قضية "آيا صوفيا"
بقلم/ التجاني بولعوالي
 
 
من خلال متابعتي للنقاش الذي أثاره قرار تحويل متحف "آيا صوفيا" لاحظت أن هذه القضية غالبا ما تخضع للتوظيف الإيديولوجي، لاسيما من قبل بعض وسائل الإعلام والسياسيين والمثقفين المؤدلجين. كما أنه يهيمن لدى شق مهم من المتلقين العاديين نوع من التماهي الواعي تارة، والانجرار العفوي واللا واعي تارة أخرى، نحو أحد الطرفين اللذين يحركان خيوط اللعبة، تماما كما يحرك المهرج القراقوز بحسب الهدف الذي يرسمه هو لا الجمهور. وتجدر الإشارة هنا إلى أن القراقوز في الأصل كلمة تركية! ويمكن تفسير هذا التماهي الواعي أو الانجرار اللاواعي بغياب المعرفة التاريخية والواقعية الدقيقة بملابسات تحويل معلمة "آيا صوفيا" إلى مسجد.  


انقسمت الآراء والتفسيرات فيما يخص تحويل متحف "آيا صوفيا" في إسطنبول إلى مسجد يرفع فيه الآذان، وتؤدى فيه الصلوات الخمس المكتوبة، وفي الوقت نفسه يُسمح للجميع زيارته؛ سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين أم سياحا عاديين. وقد جاء هذا بناء على قرار المحكمة العليا في تركيا الذي صدر يوم الجمعة 10 يوليوز 2020، ويقضي بإلغاء قرار أتاتورك الذي يعود إلى سنة 1943 التي شهدت تحويل مسجد "آيا صوفيا" إلى متحف. تاريخيا شيدت "آيا صوفيا" ككنيسة في القرن السادس، وبالتحديد عام 537 من طرف الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، وعندما فتح العثمانيون مدينة القسطنطينية عام 1453 من قبل السلطان محمد الفاتح، تم تغيير اسمها إلى إسطنبول، كما تم تحويل كنيسة "آيا صوفيا" إلى مسجد خضع لترميمات وتعديلات متنوعة أثناء الحقبة العثمانية، كما أضيفت إليه مختلف المباني والمنارات. وما لا يعرفه البعض أن الجمعية المعنية بالأوقاف والمعالم التاريخية التركية رفعت منذ 2008 دعوى قضائية أمام مجلس الدولة ضد القرار الأتاتوركي القديم.

ولا يمكن استيعاب ما يحصل الآن في تركيا إلا بالعودة إلى الجذور التاريخية لهذه القضية، حيث تم تحويل معلمة "آيا صوفيا" إلى مسجد في سياق استثنائي كان مطبوعا بالصراع الصليبي الإسلامي، الذي زاد احتداما جراء ما كان يجري آنذاك في الأندلس من ملاحقة للمسلمين واليهود، وتحويل آلاف المساجد والبيع اليهودية إلى كنائس وممتلكات خاصة. فشكلت بلاد المغرب والدولة العثمانية ملاذا للموريسكيين واليهود الهاربين من جحيم محاكم التفتيش المسيحية. ومن الراجح أن يكون تحويل كنائس معينة (ومنها "آيا صوفيا") في البلدان التي فتحها المسلمون آنذاك بمثابة رد فعل على المجازر البشعة التي كان يتعرض إليها الأندلسيون في تلك المرحلة، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن مسلمي الأندلس استغاثوا بالسلطان محمد الفاتح، غير أنه كان منشغلا بمواجهة التحالف الصليبي الأوروبي الشرس ضد دولته. ثم استنجد الموريسكيون لاحقا بالسلطان بايزيد الثاني الذي بعث رسولا إلى البابا يهدده بأنه سوف يعامل المسيحيين بالمثل في إسطنبول.

ويظهر أن هناك فئة ترفض القرار الرسمي التركي بتحويل كنيسة "آيا صوفيا" قديما عام 1453 إلى مسجد على يد محمد الفاتح، ثم حديثا من متحف إلى مسجد على يد طيب رجب أردوغان تحت ذريعة احترام الآخر والتسامح الديني، وهي تُغيب السياق التاريخي القديم الذي شهد تحويل الكنيسة إلى مسجد، في ظل التحالف الصليبي على الدولة العثمانية من جهة، والتنكيل الهمجي بالمسلمين في الأندلس من جهة ثانية. لذلك فمن اللامعقول أن نضع لهذه القضية مقدمات واهية نتذرع فيها بقيم الحرية الدينية والتسامح والحوار، لأن النتائج سوف تكون لا محالة باطلة وغير مؤسسة. لا يمكن أن نحاكم التحويل القديم لكنيسة واحدة إلى مسجد في الوقت الذي كانت تُحول فيه آلاف المساجد في الأندلس إلى كنائس وإسطبلات للحمير والبغال.

على هذا الأساس، لا يمكن أن نفسر ما حصل لكنيسة "آيا صوفيا" في منتصف القرن الخامس عشر انطلاقا من سياقنا المعاصر الذي يختلف جذريا عما كانت عليه الظروف السياسية والأمنية آنذاك. ينبغي أن نستوعب هذه المسألة ضمن شروطها التاريخية الأصلية لا ضمن شروط واقعنا المعاصر المختلفة.
ثم إنه لا يمكن التذرع دوما بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالحرية الدينية، وتأويل الأحكام بشكل حرفي متى دعت الضرورة، دون النطر الفقهي والواقعي في المناطات والمآلات. إن ظروف الحرب تطرح تحديات جديدة يمكن أخذها بعين الاعتبار في التعامل مع غير المسلمين الذين تربطهم آصرة العقيدة مع العدو. حقا أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الاقتراب من الكنائس والبيع أثناء الفتوحات والحروب وإعفاء الرهبان والقساوسة إلى جانب النساء والأطفال والشيوخ من ضريبة الجزية، لكن هذا لا يمكن أن ينطبق على أولئك الرهبان الذين كانوا يناصرون العدو ويقفون في الصفوف الأمامية ضد الإسلام والمسلمين. وهذا ما كان يسري على الدولة العثمانية في القرن الخامس عشر، حيث كان يوجد المسلمون بين مطرقة التهديدات الصليبية وسندان محاكم التفتيش الكاثوليكية في الأندلس.

في غياب هذه الخلفية التاريخية سوف يكون كلامنا مجرد سفسطة أو هرطقة لا طائل من ورائها. وهذا ما يُلمس في جانب من النقاش الحامي الوطيس الذي يشهده مؤخرا المجال التداولي العربي، لاسيما عبر الشبكات الاجتماعية، كأن ما يجري هناك في تركيا يهم بالدرجة الأولى العالم العربي الغارق في فوضاه العارمة وحروبه التراجيدية.

ولا يمكن تفسير هذا التوجه الجماهيري إلا بنظرية القطيع كما قعّدها المفكر ناعوم تشومسكي، حيث يخضع جزء كبير من "القطيع العربي" منذ مدة طويلة للتنويم المغناطيسي الذي تمارسه عليه الأنظمة المستبدة، فلا يلتقط إلا ما ترسمه له على شاشات الإعلام المؤدلج، ولا يؤمن إلا بما تحقنه به من قيم فاسدة وأفكار مزيفة. وهكذا يصرف عن قضاياه الحقيقية إلى ما لا يعنيه من قضايا لا تهم مجتمعه في شيء.

وقد ترتب عن ذلك أن الكثيرين صاروا يُنظّرون لمسألة معقدة؛ تاريخيا وقانونيا وسياسيا، ولا يمكن استيعاب حيثياتها إلا عبر البحث العميق والتقصي الشمولي. فتناسلت التأويلات الذاتية وتشعبت القراءات الإيديولوجية لحدث يقتضي تعاطيا واقعيا أولا  وقبل كل شيء

.