الباحث أحمد المنصوري يكتب : القراءة النسوية للنص القرآني (أمينة ودود نموذجا)



الباحث أحمد المنصوري يكتب : القراءة النسوية للنص القرآني (أمينة ودود نموذجا)
بقلم : أحمد المنصوري+

بسم الله الرحمان الرحيم
القراءة النسوية للنص القرآني
{أمينة ودود أنموذجا}
مقدمة:
إن الذين بدأوا وأسسوا لنظريات إعادة قراءة النص القرآني كثر، ومن زوايا مختلفة، على حسب كل منهج ورأي الذي سلكه صاحب الإدعاء، فكانت أمينة ودود ضمن هؤلاء، ومن بين الذين انزلقوا إما عن وعي ودراسةٌ قادهم فهمهم الضيق إلى هذا النتاج، وإما عن تبعية عمياء، سُخروا لها، فحازوا من أسيادهم كل التقدير والاحترام على أساس أنهم قاموا بما ينبغي القيام به. أحاول أن أسهم بهذا الموضوع الذي يتجدد في كل مرة وهو قديم وله خلفيات متعددة بعيدة عن التأصيل الشرعي كما سنرى في هذا المقال المتواضع.


في هذا الصدد اخترت الحديث عن القراءة النسوية للنص القرآني لأمينة ودود، التي ملأت الدنيا بمناصرتها لقضية المرأة ولو على حساب تغيير وفهم جدري لبعض الآيات القرآنية التي تراها غير مناسبة لهذا الزمن، لكن بنظرية التأويل والهرمينوطيقيا في إعادة قراءة النص القرآني، وتتبعت هذه المحاور في هذا العرض المتواضع:
• المحور الأول: مبدأ الهرمينوطيقيا في قراءة أمينة ودود للنص القرآني.
• المحور الثاني: النص المسبق.
• المحور الثالث: نقد التفسير الذكوري.
• المحور الرابع: الدلائل القرآنية على المساواة بين الجنسين من منظور جندري.
المحور الأول:
مبدأ الهرمينوطيقية في قراءة أمينة ودود للنص القرآني.
1ـ من هي أمينة ودود:
ولدت أمينة ودود باسم ( ماري تيزلي ) لعائلة أمريكية من أصل إفريقي، وكان والدها رئيس طائفة الميثودية المسيحية، إعتنقت الاسلام في عام 1972 م، إذ كانت حينئذ طالبة في جامعة بنسلفانيا حيث درست فيها من عام 1972 ــ 1975 م، غيرت اسمها رسميا إلى أمينة ودود، بعد ذلك بعامين.
ـ تعليمها: تخرجت ودود عام 1975 من جامعة بنسلفانيا بشهادة باكلوريوس في العلوم، حصلت على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأدنى، ودرجة الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة ميتشغان 1988، أمضت فترة الدراسات العليا في مصر قسم دراسة اللغة العربية في الجامعة الأمريكية في القاهرة، تخصصت بالدراسات القرآنية والتفسير الديني في جامعة القاهرة، والفلسفة في جامعة الأزهر.
ـ عملها: عملت كأستاذ مساعد في الدراسات القرآنية في الجامعة الإسلامية العالمية الماليزية من عام 1989 ـ 1994، في هذه الفترة نشرت أطروحتها المعرفة ( القرآن والمرأة: إعادة قراءة النص القرآني من منظور نسائي ) وفي سنة 1992 قبلت ودود أن تعمل أستاذة للدين والفلسفة في جامعة فرجينيا كومونولث حتى تقاعدت 2008، ولها عدة ورشات ومحاضرات أغلبها حول المرأة والمساواة وحقوق الانسان...
ألقت ودود خطبة صلاة الجمعة 1994 بأحد المساجد في جنوب إفريقيا ولم يسمح لها بهذه الخطبة وأثارت حولها ضجة لا تقل عن الذي أحدثتها ودود سنة 2005 عندما أمت الذكور والإناث في كنيسة بمنهاتن بنيويورك بعد إلقاء خطبة، مع أذان سهيلة العطار.
2ـ مفهوم الهرمينوطيقية:
الهرمينوطيقية كوسيلة لفهم وقراءة النصوص الأدبية والملحمية قد ظهرت في العصر اليوناني، فكانت لدى أفلاطون تستخدم للغة العادية، حيث ارتبطت اللفظة بمسحة الكلام المقدس أو الفرائض ( كلام الملوك والمبشرين أو المنذرين ) كما وردت في محاورة آيون وفي كتاب (هرمنياس) لأنه لم يكفر إلا في المعنى المنطقي للملفوظ، عندما درس القول الجازم، وفي عصر الهليني المتأخر، وردت لفظة ( هرمنيو طيقية ) للإشارة إلى تفسير العالم، واسم (هرمس) إشارة إلى (المؤول) أو (المترجم).
لقد تطورت الهرمينو طيقية في العصور الوسطى بعد ظهور إشكاليات في قراءة الكتاب المقدس، فارتبط فن التأويل بالا هوت المسيحي والكتاب المقدس، لأن بداية التقاء الهرمينو طيقية بالفكر المسيحي تعود إلى بداية إعادة كتابة الإنجيل كنص سلطوي معتمد، ووثيقة مقدسة، إذا كان من الواضح مثلا أن (متى) كان يمارس في كتابة إنجيلية عملية القراءة والتفسير، لإنجيل مرقص، ليجعله متلائما مع بناءات اللاهوتية الخاصة، وأن الأناجيل الأربعة كانت أيضا تفسيرات مختلفة لحياة وآلام المسيح، من هنا نجد أن الهرمنيو طيقيا بقيت في العصر المسيحي الأول كما كانت تستخدم عند اليونان للقراءة والتفسير، بيد أنها تطورت مع بداية الصراع الفكري المسيحي وظهور البروتستانتية، حيث أنيطت مهام جديدة للهرمينوطيقية، عدا القراءة والتفسير، ومنها عملية الفهم، أي تغيرت المهمة من عملية قراءة نص إلى عملية فهم النص، لأن البروتستانت حاولوا التخلص من سلطة الكنيسة عبر تفسير الكتاب المقدس من غير الرجوع إلى الكنيسة.
إن التفاسير المتعددة قد تؤدي إلى سوء فهم متعدد، لذا أصبح من الضروري إيجاد مبادئ أو قوانين للتفسير، كي يكون التفسير معقولا ومنطقيا وصحيحا، ومن هنا لعبت الهرمينوطيقية دورا مهما كوسيلة أساسية لفهم النصوص الدينية، فمهمتها في البداية كانت مقتصرة على تفسير النصوص الدينية، وتوضيح ما فيها من غموض، ومن ثم طرأ تغيير في مسارين على مسألة الهرمينوطيقية، إبان عهد الفيلسوف الألماني شلايرماخر( 1768ـ 1834) ففي المسار الأول خرجت الهرمينوطيقية من إطارها الديني وقراءة وفهم نصوص دينية، وأصبحت تهتم بالنصوص الدينية والدنيوية مثل النصوص القانونية والتاريخية.
أما التغيير في المسار الثاني فتمثلت بأنها أصبحت لها مبادئ واستقلالية، وبذلك صارت فلسفة قائمة بنفسها، وأصبحت الهرمينوطيقية مبحثا فلسفيا قائما بذاته منذ عهد الفيلسوف شلايرماخر، ونجد الآن على الرغم من كل التغيرات التي طرأت عليها خلال مسارها التاريخي على يد الفلاسفة الذين تناولوها في كتاباتهم .
إن المشروع الهرمينوطيقي لآمنة ودود، في صياغته الجندرية الدقيقة، هو في عمقه سعي إلى جعل فهمها للنص القرآني نشاطا تأويليا مرتكزا على مجموع شروط في القراءة تجمع إلى الخلفية الهرمينوطيقة، مبادئ المقاربة الجندرية، حرصا على إثبات جدارة المرأة، وكفاءتها في كل ميادين الحياة إلى جانب الرجل، ومثل هذه الجدارة تجد لها ـ كما تسعى ودود إلى إثباته ـ في النص القرءاني، أبلغ الأدلة السائدة، وفي المقاربة التأويلية أعمق السبل في البحث عن المعنى، وفي السعي إلى إضفائه على التجربة العقدية المعاصرة، فهي تحاول أن تنزل قراءة النص القرآني التي حاولت إعادة قراءة الآيات المتعلقة بالمرأة في القرآن، من وجهة نظر هرمينوطيقية في كتابها ( القرآن والمرأة...) فقد قدمت الباحثة أمينة ودود، قراءة تفسيرية للآي بالمرأة، ومكانتها في النص القرآني، سعيا منها إلى التصدي لقراءة ذكورية طغت على فهم المسلم لنصه الاسلامي عبر عصور، وكانت ـ في نظرها ـ السبب في تحريف المعنى القرآني، والتفريط في القصد من الرسالة الاسلامية المكرسة لمبدأ المساواة بين الجنسين، كما انشغلت بمسائل التاويل وآلياته، بوصفها المدخل المناسب لخوض تجربة فهم نسوي يتخذ من دعائم الدراسات، ومبادئها النظرية الهرمينوطيقية مسلكا من مسالك التأويل للخطاب الإلـهي، وحظيت كتاباتها باهتمام بالغ من قبل جملة من الدارسين، لكونها خاضت في مسائل التفسير ومشاغله، باحثة في خطاب منسجم ينأى عن القراءة الذكورية الإقصائية، ويقر للمرأة المسلمة بأحقيتها في إثبات كينونتها عبر بلاغ الرسالة، الذي يتوجه إليها بالخطاب، تماما كما يتوجه إلى الرجل.
وتكشف لنا أمينة ودود أنها تقر بالمبدأ التأويلي المتجاوز لمغالطات بعض المدارس الحداثية، التي ترى في الموضوعية دليلا على رجاحة الموقف من النص، وشرطا قائدا وتكشف لنا أمينة ودود أنها تقر بالمبدأ التأويلي المتجاوز لمغالطات بعض المدارس الحداثية، التي ترى في الموضوعية دليلا على رجاحة الموقف من النص، وشرطا قائدا إلى الحقيقة، فقد بات الحديث عن الموضوعية، في ظل الهرمينوطيقية الحديثة مغالطة منهجية يتوهمها كل صاحب رأي يدعي احتكاره للمعنى الأصلي ، والهرمينوطيقيا في نظر أمينة ودود كانت تستخدم في دوائر الدراسات اللا هوتية ( الكتاب المقدس) كما سبقت الإشارة، وهي ترتبط بنظرية التفسير وليس التفسير، كما أنها انتقلت في الفترة المعاصرة من التطبيق في اللاهوت لتشمل كافة العلوم الإنسانية، إذ أصبحت نظرية لتفسير النصوص الأدبية بما فيها النصوص الدينية، وترى أمينة ودود على أن النص وسيط لغوي ينقل المؤلف إلى القارئ، كلما ابتعد عنا وعن سياقه أصبح غامضا يطرح مأزق تفسيره الذي لا مخرج منه إلا عن طريق الهرمينوطيقيا التي تصبح قواعد أو علما قائم بذاته، لا مفر لنا من انتهاجه في الفهم للقضاء على سوء الفهم الناتج عن تباعد النص عن سياقه.
المحور الثاني: النص المسبق.
ويقصد به في قراءة الكاتبة أمينة ودود، الخلفيات الثقافية والإديولوجية التي ينطلق منها القارئ في عملية التفسير، وحسم الرأي في مسائل الخلاف، ومراعاة شخصية المفسر ومذهبه الأثير، ومن هنا لا يمكن أن يدعي قارئ امتلاك ناصية الحقائق الثابتة، وأنه لا مجال لقراءة مستأنفة ، وكل لغة في رأي الكاتبة تحمل بين جوانحها نصها المسبق، فنجد أن هناك لغات مجنسة، ولغات غير مجنسة، والعربية من الفئة الأولى التي تميز بين صيغة الذكور وصيغة الإناث، ولا تكاد تقر بصيغة الحيادية، ومن الواجب العيني على القارئ أو المؤول أن يهدر هذا النص المسبق الخاص باللغة العربية، ولا يتخذه مرجعا في التفسير، وحاكما على التمييز بين الجنسين في المجال الحقوقي، إذ لا بد كما تقول أمينة ودود أن يتغلب النص الإلـهي على القصور الطبيعي للغة التواصل البشري،فإذا كانت كل مفردة في العربية تذكر أو تؤنث، فإن هذا التجنيس لا ينبغي أن يراعى في إطلاق الأحكام وتصنيفها، فينسب كل فرد إلى جنسه بناء على النص المسبق للعربية، وهذا التجاوز في رأي الكاتبة ثمين بأن يسعف على استقصاء الرؤية العالمية للهدي القرآني ، بهذا الفهم تنكر الكاتبة وجود منهج معين يدعي لنفسه الموضوعية بشكل كامل، ويتوصل بفعله الدارس إلى قراءة تقصي كل القراءات المخالفة لها، بدعوى وجاهة المنهج الموضوعي، الذي سلكته للوصول إلى أصل المعنى في النص،وترفض كل عملية إقصاء لقراءات تباشر النص القرآني، قد تكون ممكنة ومشروعة ولكنها مرفوضة، بدعوى أنها لا تلتزم بالمنهج الكلاسيكي الموروث في قراءة النص الديني، والذي يمثل في تصورها في السياق الاسلامي المخصوص، مجموع مقولات ذكورية متكلسة لا تجري إلى غاية أهم من إعلاء القراءة الرجالية للنص القرآني، إقصاء لكل محاولة مغايرة في الفهم.
وتضيف أن ادعاء احتكار الحقيقة، كان من جملة نتائج التفسير الذكوري للقرآن، وهو تفسير قام على وهم وامتلاك المعنى في النص القرآني، بفعل مناهج القرآن بدأت تتبلور تدريجيا عبر التاريخ، منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى فترة إنشاء الموروثات التفسيرية، وتزامنها مع تشكل المنظومة الفقهية الرسمية، واعتبار أحكامها وفتاواها وفهمها للنصين القرآني والحديثي، ضربا من النطق بالمقصد الإلـهي، وشكلا من أشكال احتكار حقيقة الوحي والتشريع .
وانطلاقا من رفض الطرح الهرمينوطيقي الحديث كل زعم منهجي بموضوعية طرحه، وبامتلاك زمام المعنى في النص، تقف أمينة ودود موقف الرفض لكل قراءة تدعي الموضوعية والكمال، وحيازة المعنى القرآني، مقابل نقصان القراءات الأخرى، وسندها التأولي في ذلك، تجاوز الادعاء الزائف، بالموضوعية والحياد والتشريع، في المقابل للحضور الذاتي، وللانطلاق من مقولات قبلية تمهد لعملية القراءة، وتوجه مسارها نحو مراكز اهتمام بعينها.
وتعطي أمينة ودود تعريفا للنص المسبق، فتقول: " بكونه مجموع الفرضيات، والمنطلقات اللغوية، والأفكار والأحكام التي تشكل نسقا في التمثل والتقبل، وتخلق لكل قارئ، حصوصيته التي تتعين وفقا لخلفيته الثقافية المخصوصة، وتسمح بتنوع الرؤى، التي تعكس شخصية كل قارئ، وتميز قراءته عن قراءة الآخرين "
وفي السياق الاسلامي تًعُد ودود الفهم القبلي للنص القرآني دافعا من دوافع كثرة التأويلات، وتعدد الأفهام والآراء، وهو ما يجعل من العلاقات بين المسلم ونصه مباشرة وأكثر حميمية، ذلك أن المعنى لم يعد ناشئا فحسب من النص المقروء، إنما هو كذلك، نابع من الذوات القارئة، ما يجعل النص متعدد المعنى وإن كان واحدا لفظا ، وفي المقابل ترى الكاتبة أن على القارئ أن يكون خارج موضوع قراءته زمانا ومكانا وثقافة، حتى لا تصير القراءة نوعا من اغتراب المؤول عن ظرفيته الخاصة بدعوى العودة إلى المعنى الأصلي، وإلى ظرف إنتاج االمعنى الأول، إذ الاسقاط لا يمكن في تسليط الضوء على النص القرآني انطلاقا من خصوصية زمن القراءة، إنما يتمثل في استقدام التجربة التفسيرية السالفة على نحو من التقديس والنمذجة، فطالما أن الخطاب الديني متوجه إلى الانسان، أيا كان زمانه ومكانه، فمن التعسف قصر معناه على زمانية إنتاجه، ولحظة تشكله المخصوصة، إذ بذلك ينتفي كل قول بانفتاحيته، وبتعدد المعنى فيه، وبتنوع الاحتمالات التأويلية بخصوصه.
المحور الثالث: نقد التفسير الذكوري:
يتقوم النشاط التأويلي عند ودود، باتخاذ موقف نقدي من التراث التفسيري الاسلامي، الذي قدم قراءة محدودة الآفاق، تمنع القارئ المعاصر من فهم النص القرآني بشكل متحرر من قيود المناهج الكلا سيكية، التي فرضت عبر التاريخ.
ويُعد النقد الموجه إلى ضروب التفسير هذه مسلكا أوليا من مسالك التأويل الحديث، على اعتباره يكشف للمؤول نقائص عديدة ينبغي عليه تفاديها، عند خوضه تجربة القراءة، وبذلك تصير علاقته بالمقصد القرآني أكثر أصالة ومباشرة، ذلك أن محاولة المسلم فهم القرآن بتوسط التراث التفسيري، واعتمادا عليه، إنما يبعد المسافة بينه وبين نصه، ويضع من الحواجز ما به تستحيل عملية التمثل والفهم ضربا من المغالطة والزيف، إذ الفهم حينها، يصير مرتبطا وثيق الارتباط بالمقالة التفسيرية، لا بأصل الخطاب القرآني، وتستحيل هذه الوساطة، بكل وضوح، شرطا موهوما من شروط الفهم، استوجبته سلطة المعرفة السلفية، وفرضته على كل قارئ فرضا، من هنا كان الالتزام بنتائج التفسير الذكوري الكلاسيكي للقرآن، واعتبار هذا الفهم الضيق سبيل المسلم الوحيد لتمثل المعنى القرآني.
يمثل هذا عند الكاتبة، انحرافا بينا عن المقصد الإلـهي من الوحي، كما يُعَد زيغا من مبدأ تأويلي فينومينولوجي ،
أساسي مشترط في القراءة، وهو تأصيل العلاقة بالنص في ذاته، دون الاعتماد على الفهم الآخر له.
وفي منظور الكاتبة أن التفاسير التراثية متهمة بترسيخ التفوق الذكوري، وهضم حقوق المرأة، وذلك أمر بدهي يسوغه تعصب المفسر لجنسه، وقراءته للنصوص من منظور نوعي خالص، تقول: " وقد اعترضت صراحة على غطرسة هؤلاء الرجال الذين حازوا على مستوى من مستويات الاحترام والكرامة البشرية لأنفسهم مع إنكارهم ذلك المستوى للإنسان، الآخر، لسبب من الأسباب، بما في ذلك لمجرد أنها امرأة، لذا رفضت على وجه الخصوص التبرير الزائف لهذا التعجرف من خلال التفاسير الضيقة، أو التفاسير الخاطئة للنص القرآني، وبالتحديد التفاسير التي تتجاهل الأصول الاجتماعية العامة التي تتعلق بالعدالة والمساواة الإنسانية المشتركة "
ثم دعت الكاتبة إلى التحرر من سلطة نصهم المسبق، وخلفيتهم الإيديولوجية، إن شاءوا التشبث بمنهج التفسير الموضوعي، أو التفسير التوحيدي في قراءة آيات المرأة، وإلا انحدروا بالنص إلى ضيق فهومهم، وتهافت اسقاطاتهم، بدل السمو به إلى الأفق المرجو رحابة رؤية واتساع منظور لذلك تبدوا دعوة الباحثة أمينة ودود ملحة إلى تجاوز خطأ الانحراف عن الأصل، بغاية تأسيس علاقة مباشرة بين المسلم والقرآن اليوم، وهو الهدف الأساسي من قراءتها التأويلية المضمنة في كتابها( القرآن والمرأة) حيث تلاحظ المؤلفة أن المفسرين القدامى، وكل من نحا نحوهم من رجال الدين قديما وحديثا، إنما يعطلون حركة الفهم، بما يضعونه من تفاسير تقف حاجزا بين القارئ ونصه القرآني، وتصبح بمثابة الأحكام المسبقة الضارة بعملية القراءة، لكونها تفاسير تصدر عن خلفية نظرية أحادية، هي نظرة الرجل إلى النص القرآني، وفهم أحكامه فهما مخصوصا يغيب فيه كل اعتبار للنظرة النسوية، بما تتضمنه من أسئلة ملحة يفرضها وضع المرأة المسلمة حديثا .
ولم تترك الكاتبة قضية من قضايا المرأة في القرآن إلا وأثارت حولها رهج الشبهات، وادعت فيها فهما جديدا يتناغم ومقاصد النص الكلية في إقرار العدالة والمساواة وحسن الارتفاق ، ومما يؤكد لدى ودود الحكم على هذا المنهج بالا تناسق غياب التفكير في العلاقة بين معاني الأجزاء المكونة للنص فيما بينها، من جانب، وبينها وبين المعنى الكلي المنظم للدلالة القرآنية بأكملها من جانب ثان.
ويتضح ذلك أن الكاتبة في مؤاخذتها التفسير التقليدي على التفريط في هذا الشرط في القراءة، تصدر عن مبدأ فهم النص في ضوء حركة الدائرة التأويلية بين الكل والجزء، حيث لا يكتسب أحدهما دلالة إلا بالآخر، وهو ما لم يأخذه التفسير التقليدي بعين الاعتبار في فهمه للقرآن، ما جعل نظرته إليه مشتتة، وغير محتكمة إلى نسق دلائلي واضح، كما تشير أثناء حديثها عن سوء فهم المدرسة الذكورية لكيفية ضبط الوظائف الاجتماعية للرجل والمرأة، وتَعُد أن مزاعم الأغلبية منهم متزمتة، يُضفى عليها نوع من القداسة الموهومة، فتتلبس بالمعنى القرآني، دون أن تكون ذات علاقة حقيقية به، وينتج من ذلك الخلط بين الثقافي والقرآني من جهة، وكذلك إسقاط مبدأ كونية الخطاب الإلـهي، الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان لفرض تصورات محدودة ومضيقة بحدود ثقافة مجتمع بعينه ، ويكشف هذا الموقف من الرجل والمرأة عن أن معيار التفاضل بينهما جسي صرف، وأن هوية الانسان إنما ترتبط بجنسه لا بخلقه ودينه، وهو ما يناقض المقصد القرآني بجلاء حسب الكاتبة .
كما تبرز نيتها من منظور المساواة المطلقة التي تناصرها، علاقة المرأة بالرجل، وتركب لها كل مركب، ولو كلفها الأمر اعتساف حقائق اللغة، وادعاء تاريخية الأحكام، ومخالفة جماهير أهل العلم، وتذهب إلى أن القوامة محصورة في نطاق الأسرة، وعلاقة الرجل بزوجته، مع تقييدها بتحقق التفضيل، والإنفاق على النساء، فإذا تخلف أحد هذين الشرطين انتفت القوامة، ولم يعد لها من مكان أو أثر في الحياة الزوجية ، وذهبت أيضا إلى أن الدرجة في قوله تعالى: ( وللرجال عليهن درجة ) ، متعلقة بالطلاق لا تتعداه، ولا دخل لها في الإشراف على شؤون المرأة بالتدبير والإعالة والإنفاق، وذلك اعتبارا بالسياق النصي للآية، وهو الحديث عن أحكام الطلاق، إذ للرجل حق الانفراد التلفظ بالطلاق خلافا للمرأة وهذا هو معنى ( الدرجة ) .
كما ذهبت أيضا إلى أن تنصيف شهادة المرأة مرتبط بسياق زمن معين هو عصر نزول القرآن، إذ كانت المرأة آنذاك لا خبرة لها بالشؤون المالية، حتى تستقيم شهادتها فيها، وهذا النقص يستدرك بتحصيل المعرفة في هذا المجال، ومن ثم فإن التنصيف الذي جاء به القرآن الكريم يزول بزوال نقص المعرفة ، وتكون بهذا الكلام قد نفت صلاحية القرآن لكل زمان ومكان، قيما بهداه على الناس، والواقع، والتاريخ، وكتاب ( القرآن والمرأة) يطفح بمفاهيم تاريخية النصوص، ويحث حثا على قصر الآيات على أسبابها الخاصة، دفعا للتفوق الذكوري المزعوم، الذي ملأ على الكاتبة سمعها، وبصرها، ووعيها، فانقادت في مراتع النقد الجزافي.
المحور الربع: الدلائل القرآنية على المساواة بين الجنسين من منظور جندري:
1ـ يراد بالجندر النوع الاجتماعي الذي يوضح الفروق بين الرجل والمرأة على صعيد الدور الاجتماعي، والمنظور الثقافي والوظيفة، تلك الفروق النابعة كنتاج لعوامل دينية وثقافية وسياسية واجتماعية، أي أنها فروق صنعها البشر عبر تاريخهم الطويل حسب مفهوم الجندر، ومن القضايا التي تحاول الجندرية التصدي لها، الوظيفة الاجتماعية للرجل والمرأة، على افتراض أن الرجل يهيمن على المرأة ويمارس قوة اجتماعية وسياسية عليها ضمن مصطلح المجتمع الذكوري، وبالتالي يجب منح المرأة قوة سياسية واجتماعية واقتصادية تساوي القوة الممنوحة للرجل في جميع المستويات حتى في الأسرة.
وقد عرفت الموسوعة البريطانية الجندر " هي شعور الانسان بنفسه كذكر أو أنثى ..." ومنظمة الصحة العالمية تعرف الجندر بذلك المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة، كصفات مركبة اجتماعية، لا علاقة لها بالاختلاف العضوية .
تؤكد ودود أن من المغالطات الكبرى التي سقط التفسير الذكوري للنص القرآني، اعتبار المساواة بين الجنسين أُسا إيمانيا صريحا، وتقطع مع القول بهذا الرأي، الذي لا يستند إلى دليل قرآني يبرزه،في حين أن الأدلة على تساوي الجنسين في القيمة الإنسانية والعقدية، وعلى عَد المرأة إنسانا كاملا لا تابعا لوجود الرجل، تتوافر بشكل بالغ الوضوح في النص القرآني، ذلك أن تكون البشرية من صنفي الذكر والأنثى يدل دلالة واضحة على أن لكل جنس قيمته وحكمته من الخلق، ما يمنح كليهما اعتبارا متشابها ومتساويا، وهو ما لا يسمح بتاتا بالحديث عن تبعية أحدهما للآخر، طالما أن كليهما يتساويان في القصد الإلـهي من الخلق، وهو الاهتداء والسعي إلى هداية البشر .
ففي إمامة المرأة مثلا ذهبت أمينة ودود إلى أنه ما من دليل شرعي قاض بتحريم إمامة المرأة للصلاة في الاسلام، ولكن المنظومة الفقهية الذكورية قضت بعدم جواز ذلك، تكريسا لموقف إقصائي يعلي سلطة الذكر على الأنثى، ويقر بتفوقه عليها في جميع أمور المعاش والمعاد ، وهذا ما لا ترضاه الكاتبة، وتصدت لهذا الموقف من خلال تأويلاتها لبعض الآيات من مفهوم جندري.
ولعل أبرز ما يجعل من مبدأ المساواة، ودفاع الكاتبة عن حق المرأة في الإمامة، أمرا متحققا وفعليا، هو قيامها بإمامة بعض المسلمين في أمريكا في صلاة الجمعة في مارس من سنة 2005 م، وهو ما كان حدثا لا فتا ومثيرا لجدل واسع بين مؤيد ومعارض ، وإقدام أمينة ودود على إمامة الذكور ولإناث معا في كنيسة بمدينة نيويورك، كان محاولة لتطبيق الموقف الجندري التأويلي من قضية الإمامة، وإقامة الدليل على اضطهاد القراءة الذكورية للمرأة، والكشف عن سعي القائمين على التأويل الكلاسيكي للتصدي لكل محاولة نسوية تهدف إلى إعادة قراءة النص، وإلى تجديد طرائق تطبيقية تأسيسا على مقدمات نظرية مضادة للفكر الذكوري المنغلق على ذاته.
إن حدث إمامة صلاة الجمعة هي مبادرة من الكاتبة لتطبيق ما تراه حقا مشروعا للمرأة يكفله لها النص القرآني نفسه، بوصفه يدعوا إلى العدالة بين الجنسين، وهو إلى ذلك، يجري إلى غاية لفت الأنظار إلى انغلاق المنظومة التشريعية الذكورية، التي ترفض كل انفتاح على النص القرآني من وجهات نظر مختلفة عن وجهتها، ومخالفة لها من أوجه متعددة، وهي ترى أن المرأة في الفكر الاسلامي التقليدي، لم يقص المرأة من إمامة الصلاة فحسب، بل عُدت قاصرة عن القيادة الدنيوية، لنقص في تركيبتها الذهنية، مقارنة بالرجل، وهذا الحكم في نظر أمينة ودود يعد جائرا ومضرا بهوية المرأة على امتداد التاريخ الاسلامي.
خاتمة:
بهذه المحاولة اللامنطقية التي نهجتها الكاتبة أمينة ودود ضمن قراءتها لمشاريع التجديدية الساعية إلى إعادة الخطاب الإسلامي، تكون قد وقعت في تخبط تارة تلغي ما قرره السلف الصالح في المنهجية التفسيرية المتبعة للقرآن الكريم، وتضرب به عبر الحائط مدعية أنه تلاشى ولم يعد يساير العصر الحديث، وتصفه بأوصاف لا تليق بمقام أهل العلم، وتارة أخرى تجدها تدعوا إلى التحرر من النص المسبق للقارئ واللغة، حرصا على موضوعية الفهم وجودة القراءة،
وبين هذا وذاك، فهي لا تلتزم بنسق منهجي معين محكم، وقناعة فكرية راسخة، مما أدى بها إلى التناقض الصارخ الذي يحمل حقدا واضحا ضد التراث الاسلامي الذي وصفته أكثر من مرة في كتابها ( القرآن والمرأة ) على أنه تراث مغالط مجانب للصواب وزائف يخالف المنهج الذي جاء به القرآن.
بقلم: أحمد المنصوري +
باحث في سلك الماستر/ كلية الآداب والعلوم الإنسانية / وجدة .

مقروء مرة617


وجهة نظر

الدكتور طارق ليساوي يرد على مقال ’’ أخنوش ’’ : التوسع في المديونية العمومية علاج خاطئ

سليمان الريسوني يكتب: «كفار» و«مسلمون»

الإسلام حذرنا من الشماتة يا أعداء الجالية !

عـزاء وأمـل

خبر سيئ لأصحاب هذه الهواتف...سامسونج توقف تحديثات آندرويد

في الصميم...الدكتور التجاني بولعوالي يكتب عن ’’ أسوأ القراء’’

"رسالة أوروبا ـ د. التجاني بولعوالي : نقد شديد للتعاطي الهولندي مع أزمة كورونا

د. التجاني بولعوالي: ظاهرة كورونا؛ تعدد التفسيرات والخطر واحد

الباحث التجاني بولعوالي يكتب عن فيروس كورونا بالمغرب

الباحث أحمد المنصوري يكتب : القراءة النسوية للنص القرآني (أمينة ودود نموذجا)