هولندا ـ عمدة روتردام أحمد بوطالب: الدولة المغربية تستشيرني



هولندا ـ عمدة روتردام أحمد بوطالب: الدولة المغربية تستشيرني
متابعة

أحمد بوطالب عمدة روتردام، ذو الأصل المغربي، يشعر بما يشعر به أي مغربي مغترب إزاء بلده. ولذلك، فهو يحس بأن هناك مجهودا كبيرا يجب أن يُبذل لتطوير التنمية والديمقراطية في المغرب.

هل يمكن أن نتحدث عن شراكة ما بين المغرب وروتردام وأنت عمدتها؟

أي عمل وأي علاقة تحتاج إلى كسب الثقة أولا. فالمفتاح في بناء علاقات تجارية هو بناء علاقات ثقافية والحرص على التبادل البشري. الاستثمار في التبادل البشري هو أول خطوة لنفهم بعضنا أكثر ونكسب مزيدا من الثقة، قبل خطوة التفكير في الاستثمار الاقتصادي المادي التجاري.

ارتباطا بالمغرب، بلدك الأصل، هل يمكنك لعب دور الوسيط لتقوية العلاقات الهولندية المغربية خدمة للبلدين؟

أقبح شيء يمكن أن يقوم به شخص، حسب مثل هولندي، هو أن يحاول خدمة دولتين معا في الآن نفسه. يمكنه أن يخدم مصلحة معينة بكل وضوح، لكنه أمر لن يكون في صالح هذا المسؤول، ولا في صالح المجتمع الذي يشتغل فيه ويخدمه.

أتحدث بمنطق وصدق هنا، علما أن لدي خلفية مغربية، وأتكلم اللغة وأعرف البلد. يمكن أن يكون ذلك وألعب دور الوسيط بين البلدين في حالات خاصة، لكن شرط أن يكون بمقتضى السرية وبطلب من البلدين معا، حتى يكون الطرفان هما المسؤولان عن نتيجة ذلك. وهنا يمكن أن أكشف أن الجانب المغربي يستشيرني مثلما يستشيرني الجانب الهولندي، ويستشيرني، أيضا، الرئيس الفرنسي والرئيس الإندونيسي كذلك. وذلك إيمانا بشخص “أحمد بوطالب” ورغبة في معرفة زاوية رؤيتي لموضوع ما. وهنا أقدم رأيي بكل نزاهة لكل من يثق بي ويؤمن بتفتحي، لكن أبدا لم ولن أخلط بين المسؤوليات، ولن ألعب أدوارا مختلفة في وقت واحد لأن “جيمس بوند” وحده القادر على مثل ذلك.

زياراتك للمغرب محورها الأول منطقة الناضور التي تنتمي إليها كيف تراها في السنوات الأخيرة؟

منطقة الناضور عاشت تطورات كما غيرها، لكن أعتذر لأني لا أعرف الكثير عنها اليوم، بحكم عيشي ما يزيد عن أربعين سنة في بلاد المهجر. هناك دول اليوم، أعرف عنها أكثر مما أعرفه عن المغرب بحكم زياراتي لها وارتباطا بعلاقات العمل. لكني أزور المغرب بين الفينة والأخرى، وأسمع حكايات مختلفة من الناس ومن المقربين لأتابع ما يجري.

ما أريد التحدث عنه بخصوص هذه المدينة هي أنها من أغنى المناطق في المغرب، فبعد الدار البيضاء، الرأس المال الذي يتحرك في المنطقة رأس مال عظيم، ومع ذلك فالمنطقة تفتقر لكل ما هو ثقافي، وكل ما يسهم في ترقية المجتمع. هذه المنطقة تركز، أساسا، على التجارة كعنصر أول، وربما تأتي الثقافة في مرتبة خامسة. علما أن الثقافة هي ما يعبر عن هوية الإنسان، شعر وأدب وسينما التي تعتبر مرآة لهوية الإنسان. إذا قلنا مثلا إن مدينة برشيد منطقة تفتقر إلى مؤسسات ثقافية، فقد يبدو ذلك عاديا، إذا ما نظرنا إلى إمكاناتها المادية. أما أن نقول هذا عن الناظور، فالأمر بالنسبة إلي يطرح علامات استفهام كبيرة!

في نظرك من المسؤول عن هذا الفقر الثقافي الذي تعيشه منطقة الناظور؟ هل نتحدث عن دور الدولة، أم الخواص الأثرياء من أبناء المنطقة أم هو دور مشترك؟

في أفق سنوات قليلة ستحتضن الناظور ميناء كبيرا وتفتح المطارات، وهذا يعني أنه يجب العناية بالمجتمع، أيضا، بالموازاة لأن هذه المنطقة ستكون بمثابة واجهة للمغرب. وإذا ما تحدثنا عن البنيات التحتية وبناء المطارات والموانئ وغيرها، فهو أمر محسوم لأنها مسؤولية الدولة. أما عن الشأن الاجتماعي والثقافي ومجال التشغيل، فهو عمل مشترك، ما بين المجتمع المدني والخواص والدولة، كل يساهم من جانبه. وهناك أدوار مشتركة نسبيا معقدة. هناك ما هو وطني، الحكومة مسؤولة عنه، وهناك ما هو محلي. ودور الحكومة أو الوزير المسؤول في هذا الشأن، هو أن يبادر ويحرك أو يجر إلى الحركة والفعل. في هذا الصدد أتذكر قولة كان يقولها لي والدي: “الراس ما تشطحش إذا ما كانت الكرش عامرة”. ومعنى ذلك أنه لا يمكننا أن نفكر في الشأن الثقافي والبلاد لم توفر بعد، أساسيات العيش الكريم، من سكن وتعليم ومرافق حيوية… وأعتقد أن تحقيق هذه المرافق للمواطنين تزيد في استقرار البلد.

بالنسبة إليكم في هولندا، وتحديدا في روتردام، كيف تشتغلون على الجانب الثقافي؟

الجانب الثقافي في هولندا فيه ما هو وطني، والحكومة مسؤولة عنه، وفيه ما هو محلي. بالنسبة إلينا في روتردام، نمول مشاريع الثقافة بالمدينة بمزانية 70 مليون أورو سنويا، من ميزانية المدينة. وهناك مؤسسات تمويلها مختلط، تمويل من طرف الدولة ومن طرف المدينة. وهناك مؤسسات تعتمد في ميزانيتها على الدولة والمدينة والخواص، وهناك مؤسسات تعتمد في سيرها على الخواص أكثر من الدولة. وهنا أستغرب من الدول التي تخصص حدا أدنى فقط للثقافة من الميزانيات. في حين تلعب الثقافة دورا مهما في المجتمع، وإذا كانت الدولة والمدينة توليان أهمية للشأن الثقافي، فأكيد أن الخواص سيتبعونها في ذلك، وينخرطون في العمل الثقافي. وأعتقد أن منطقة الريف في المغرب لديها أبناء غيورين عليها.

ذكرت أبناء الريف من رجال الأعمال وأثرياء المنطقة وغيرتهم على المنطقة. أين يتجسد ذلك برأيك؟

أرد هنا بصفتي مراقبا من بعيد لأني عشت ما يزيد عن 40 سنة بعيدا عن المغرب. أعتقد أن ما ينقص أبناء الجهة، ومنطقة الناظور تحديدا، هو الوسيط المنسق بينهم، وقليل من الثقة. هذه الثقة التي تلعب دورا حاسما في جعل الخواص وأصحاب المال من المنطقة يساهمون في دعم الشأن الثقافي وغيره، ما يعود بالنفع على المنطقة. فكثيرون من أبناء الريف عموما، لهم غيرة على منطقتهم، لكن قد تجدهم يتساءلون عن الضمانات من أجل استثمار أموالهم. هل ستخدم الصالح العام؟ بدون ثقة لن ننتظر تحقق أي شيء.

عملي كعمدة لروتردام لمدة عشر سنوات جعلني أدرك أن أساس هذا العمل، هو الثقة مع المواطنين ومع الشرطة، وغيرهم.. وأدرك جيدا، أيضا، أن المؤسسات لا تشتغل ولا تحرك شيئا، من يشتغل هم الأشخاص داخل المؤسسات. فالهيكل لا يعطينا شيئا والقطار لا يتحرك دون مسير، لا بد من توفر مسير يكسب ثقة المحيط، ليعرف من يدعم المؤسسة أنه يدعم هذا الفعل وهذا الشخص لأنه يقوم بدوره، وحتى يقوم بدوره على أحسن ما يرام.

هل تواجه من مواطنيك في هولندا أسئلة تخص ديانتك بصفتك مسلما؟

أحيانا يطرح عليّ سؤال من مواطن هل قرآنك يختلف عن قرآن جاري. هم لا يعرفون أن القرآن يتضمن آيات أم الكتاب وآخر متشابهات، ولا يجدون من يوضح ويفصل لهم هذا. هل تلك الآيات هي منهجية خاصة بالحرب أم لها بعد أدبي؟ هل هي من أمهات الكتاب أو متشابهات أو لديها جوهر آخر؟

أنا لا أستعمل القرآن على نحو سطحي لأغراض سياسية، والعاقل المتزن من هم من يغلق فمه أو يبادر ليدخل الحقيقة التي يملكها إلى عقول الآخرين، بدل أن يملأها سطحيون بالفراغ.

بحكم تقلدك لهذا المنصب وتبعا لاستراتيجيتك، هل تحس أنك محتاج إلى الحراسة؟ وهل تستشعر أي خطر؟

حياتي صعبة شيئا ما، إذ هناك سيارة تسبقني لتجس نبض الطريق وسيارة خلفي، ومعي ستة أشخاص مسلحين، وبيتي أيضا مراقب، لكني لا أشعر بأي خطورة، إذ أمارس الرياضة خارجا وأذهب للتسوق، وفي الصيف، أركب دراجتي الهوائية. الجلوس على كرسي في المدينة الثانية في هولندا، التي تتوفر على أكبر ميناء في المتوسط هو مسؤولية كبرى محليا ووطنيا ودوليا. على أكتاف هذا العبد مسؤولية بناء مجتمع متعدد الثقافات، مجتمع متسامح وديمقراطي يؤمن بقوة الأغلبية، ويؤمن، أيضا، بحماية الأقلية. فلا ديمقراطية للأغلبية دون حماية الأغلبية كيفما كان نوعها. وفي هذا الصدد أشتغل بمعونة كل الموظفين بجد، باستراتيجية واضحة بدأتها منذ سنة 2009، وهي أن أستغل ما أمكن القوة الموجودة داخل المجتمع. وبدل خدمة المواطن أشتغل مع المواطن. وفي كل خطواتي أقول لمستشاري “لا تتركوني أمضي كما أنا وترددوا “نعم سيدي”، أحب أن يكون محيطي العملي هو ناقدي الأول، قبل أن تبدأ انتقادات الصحافة أو غيرها خارجا. روتردام مدينة أحبها وأريد الاستمرار في الدفاع عنها مستقبلا.. في مدينتي هذه أرفض أن ينام أي إنسان، سواء أكان من مواطني البلد أو غيره، تحت قنطرة أو في الشارع، فأدنى مستوى في الكرامة النوم في الشارع. ولذلك، أعمل مؤمنا بقوله تعالى: “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”. ولا تغيب هنا تربيتي الأولى في منطقة الناظور، مسقط رأسي الذي أعتز به، على يد جدي وعلى يد الرجل الذي علمني تخطيط الحروف الأبجدية ولولا ضغطه على جدي رحمه الله، ما كنت وصلت إلى ما أنا فيه الآن.

ألفت كتابا فيه شيء من نفسك الإنساني والمهني. حدثنا عنه؟

كتبت كتابا يحمل عنوان الحلم والعمل تُرجم إلى الإنجليزية. هو كتاب كتب بالهولندية يعالج مجموعة من المفاهيم لفلاسفة كبار، أحاول تقريبهم من العمل الإداري لتدبير شؤون المدينة.

هذا الكتاب خلفه مطبعة ودار نشر قد تُحقق وراءه أرباحا، لذلك قررت منذ البداية أن يذهب ريعه إلى مشروع اجتماعي، وهو ترميم جزء من كنيسة. هذه الكنيسة تتضمن آلة موسيقية قديمة، وخلف هذه الآلة تختبئ امرأة ورجل أثناء الحرب العالمية الثانية، وهناك أنجبت المرأة طفلا. وبقيت هذه الأسرة خلف هذه الساعة لمدة 36 شهرا، ثلاث سنوات، طيلة مدة الحرب. الكتاب يشير إلى الحنان والمساعدة ومفهوم الرحمة. كيف أن هذا الراهب المسيحي ساعد عائلة يهودية لتبقى على قيد الحياة وتكلف بطفلها.

ارتباطا بمؤسسات الدولة وبالفعل السياسي، ما هي ملاحظاتك على العمل السياسي في المغرب؟

يمكن أن نقول إن المغرب حقق نتيجة الحفاظ على استقراره بأمنه على مستوى عال، في الوقت الذي يعرف فيه العالم العربي، هزات يمكن أن نصفها أحيانا بـ”التطهير”. وهذا الأمر ليس نتيجة عمل طرف واحد، كالعمل السياسي للأحزاب السياسية أو الإدارات العمومية أو أعلى سلطة في المملكة، وإنما كل واحد من هذه الأطراف يؤدي دوره. أن يبقى هذا العنف خارج حدود المغرب، فهذا أمر مهم، يضمن استمرار وجود مستثمرين أجانب واستقطاب آخرين.

وأعتقد أن أكبر مشكل يعانيه المجتمع المغربي ويجب أن يلتفت له الساسة في تدبير شؤون المغرب هو البطالة، ومعها ينتشر الفقر. والفقر طريق لانقطاع أبناء كثير من الأسر عن الدراسة.. وهذا تترتب عنه ظواهر سيئة أخرى، فيتراجع المجتمع والبلاد خلفا.

وهنا، أيضا، أقول إنه على المستثمرين المغاربة ألا يفكروا فقط، في الاستثمار وفي البِناء “ويطلع ياجورة فوق ياجورة”، عليهم الاستثمار، كذلك، في المجال الاجتماعي… وعموما كرجل مشتغل في العمل الديمقراطي، ألاحظ أنه في العالم العربي، كثيرا ما ينسى المواطن الدرس الثالث في الديمقراطية، وهو أن لكل مواطن الحق في التصويت، حق الاختيار النزيه، والدرس الثاني، هو أن للأغلبية حق تشكيل حكومة. أما الدرس الأهم، الذي يُنسى في العالم العربي على العموم، (الحمد لله لا نراه في المغرب)، فهو أن على الأغلبية الدفاع عن حقوق الأقلية، وليس فقط احترامها.

في الدول العربية نخاف التعددية، ونقول إن هذا الذي لا ينتمي إليّ فهو ضدي. ونصنفه “عباد شمس أو مسيحي…”. هذا النوع من عدم احترام الآخر وعدم الدفاع عن حقوق الآخر يظهر لي أنه أحد أهم العناصر التي تهدد استقرار الدول العربية.

مقروء مرة888

-----------



وجهة نظر

واقع التنمية بالجماعة الترابية ' الدريوش'

رفقا بالمتفوقين من بناتنا و أبنائنا !

ماذا بعد نهاية عزيز أخنوش؟

المقاطعة.. وعي مجتمـــــــع

السياسة والأخلاق

شرف العروس زفافها!!!

الكيان الانفصالي أو الجينوم الخادع

العدل أساس الملك

لا تعتدوا على حدود الله يا دعاة المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة وإلغاء التعصيب

بولهدارج يتألم.. هل أدركت الطير الأبابيل حجم الكارثة وهي ترمي الغير زورا وبهتانا؟