نهش بأسنان مستعارة!



نهش بأسنان مستعارة!
منار رامودة

لا شك أن المجتمعات العربية عرفت تطورا ملحوظا في شتى مناحي الحياة وفي مختلف المجالات وسيكون من المجحف ألا نعترف لها بما أحرزته من تقدم وإن اعتبره البعض غير كاف، إلا أنه وبالرغم من ذلك يعد مضيا إلى الأمام ولو بخطوات متئدة.

لكن المفارقة الكبيرة أنه لا يمكننا أن نعتبر مجتمعا ما متقدما أو متطورا دون أن نقيس مدى تطور عقليات أفراده؛ ذلك كون أن لا مجتمع يسير سواء إلى الأمام أو الوراء بدون مساهمة من شعبه بشكل من الأشكال.

ولقد ساهم وجود التكنولوجيا في جعل حياتنا أسهل مما كانت عليه من ذي قبل، ولقد صرنا قادرين على تحقيق الكثير من حاجاتنا ومطالبنا بنقرة واحدة على زر عفريت. هذه التكنولوجيا كان لها بالغ الأثر على عاداتنا وطبائعنا؛ إذ فتحت أمامنا أبواب العالم على مصراعيه ولكنها لم تستطع فتح نافدة واحدة ببعض العقول حين يتعلق الأمر بموضوع المساواة بين الرجل والمرأة.

ومن المؤسف حقا ونحن نعيش في سنة 2018 ومقبلون على سنة جديدة أن نجد أنفسنا ما نزال نتخبط مع بعضنا البعض كلما انجرف الحديث عن المرأة والرجل، ومن الواضح أن السبب وراء ذلك يكمن في الترسبات المتراكمة على جدران بعض العقول التي برفضها فتح نافذة للحوار تمنع هواء الفكر أن يتجدد، وتكون النتيجة سوء فهم يضرب في الأعماق رافضا اقتلاع جذور بعض الأفكار الموروثة اجتماعيا.

فيكفيك وأنت تتجول بقارب في بحر مجتمعاتنا المتناقضة أن تشاهد بأم عينيك كيف يتحول الحوار أو النقاش حول موضوع المساواة بين الرجل والمرأة إلى صراع محتدم، وقد يصيبك الذهول وأنت جالس مكانك كيف تتعالى الأصوات التي حضرت لتناقش لتصبح صرخات مدوية لا تسلم من ألفاظ وشتائم تخجل الأذن من سماعها، وفجأة تتحول بعض الندوات أو البرامج إلى مسارح للنزاع بين وجهات نظر مختلفة، وفجأة ينشغل الحضور بالمشاهدة والتصوير تماما كما ينشغل جمع من النحل أمام باب الخلية، وهكذا يسبح الحديث )الذي تحول مسبقا إلى صراع) في برك من التناقض والغوغاء والتناطح.


نعم فالأفكار التي كان من المفترض أن تتناقش وتتفاعل مع بعضها البعض من أجل تطبيقها على أرض الواقع، اكتفت بالتصادم. إن من بين أهم المعيقات التي تواجه موضوع المساواة بين الرجل والمرأة هو سوء الفهم الكبير الذي يتلقى من خلاله المجتمع، وخصوصا الرجل، هذا الموضوع.

فبعض فئات المجتمع وبعض الرجال يرون في مطالبة المرأة بالمساواة مع الرجل تطاولا على ذكورتهم في حد ذاتها؛ إذ يعتقد هذا الأخير أن المرأة ذلك الكائن الضعيف المسحوق اجتماعيا لا يحق له أن يتجرأ وينادي بالمساواة، لكن مهلا هل تعرف ما تقصده امرأة ما حين تطالب بالمساواة؟

إن المرأة حين تتحدث عن رغبتها في الحصول على المساواة فهي لا تعني بذلك فقط الدفاع عن الحقوق المهضومة لشريحة كبيرة من النساء اللواتي يتعرضن للقهر والظلم والتعنيف والاستغلال والحرمان من طرف الرجل، ولا فقط ضرورة إتاحة تكافؤ الفرص في مناصب الشغل، فهذا في نظري يجب أن يكون مطلبا مجتمعيا وليس فقط نسويا؛ إذ من واجب المجتمع أن يحمي مواطنيه من شتى مظاهر الجور وأن يحقق المساواة والعدل لنسائه ورجاله.

إن المرأة حين تتحدث عن المساواة بينها وبين الرجل فهي تقصد في بادئ الأمر أن نولي اهتماما للأمور البسيطة التي من شأنها أن تحدث تغييرا كبيرا، والتي تتجلى في حق سماع صوتها إن هي أرادت أن تعبر عن رأيها وأن تحصل على الاحترام نفسه الذي يحصل عليه الرجل حين يقف بكل جرأة ليدافع عن مطلب من مطالبه دون أن يتم اختزاله كما يتم اختزال المرأة والتركيز على شكلها وشعرها الناعم المنسدل أو جسدها الرشيق الممشوق.

ترغب المرأة من باب المساواة ألا يقاطع أحد حديثها من الرجال بنظرة استهزاء لأن عقله لا يراها في مكان أنسب من المطبخ أو السرير، وألا يحد كل من المجتمع والرجل من طموحها ورغبتها في النجاح واصفا إياها "بالقارورة" محرفا بذلك معنى الحديث النبوي الشريف الذي طالب بحسن معاملة المرأة وليس بالتقليل من شأنها، غير أن بعض الرجال يعتمدون هذا التشبيه لكي يذكروا المرأة بأنها قابلة للكسر لكنهم لا يدركون أن المرأة إن انكسرت باتت أقوى من ذي قبل، بل وأشرس.

إن المخيف حقا في موضوع المساواة بين الرجل والمرأة هو ذلك الانقسام الخطير الذي يحدث ما أن يتم تناول الموضوع وإن اختصر في حوار بين صديقين أو غريبين في الشارع؛ إذ فجأة يبدو لك وكأن المجتمع انشطر إلى شطرين أو فريقين، مؤيد ومعارض، ويخال لك لوهلة من الزمن أنك بصدد مشاهدة مباراة لكرة القدم لكن هذه المرة مع غياب تام وشبه منعدم للروح الرياضية.

والنتيجة عادة ما تكون العدائية والتفرقة واللغط الذي لا فائدة ولا طائل منه، بينما تسعى المرأة من خلال مطالبتها بالمساواة مع الرجل إلى تحقيق نوع من التعاون والتكافؤ غير المشروط بأحكام مسبقة أو أفكار جاهزة. وإن أردنا الحديث وباختصار شديد عن أهم ما يجب التخلص منه قبل أي شيء، فهو تغيير النظرة الذكورية السائدة في مجتمعاتنا العربية نحو المرأة والانتباه الشديد والكبير الذي على الآباء إعطاءه لطريقة التربية التي يعتمدونها مع أطفالهم.

فكل رجل يتحدث اليوم عن المرأة، سواء إيجابا أو سلبا، فهو في نهاية المطاف وإن كان يعبر عن رأيه الشخصي، إلا أن هذا الأخير اكتسبه من خلال التربية التي تلقاها والبيئة التي عاش فيها والتمثلات التي نهل منها داخل المجتمع. لذلك يجب ألا يستهان بدور التربية الفعال في هذا الموضوع؛ إذ إنها مرة أخرى تلعب دورا في الطريقة التي ينظر من خلالها الرجل إلى المرأة المستقلة والطموحة التي عادة ما تثير مخاوفه.

فالكثير من الرجال يتخوفون من المرأة التي تطمح إلى النجاح والتميز، والتي تسعى إلى الحصول على استقلالها الفكري والمادي، بل وتكون محط شك وتتطلب منهم اتخاذ الحيطة والحذر. ليس هذا فقط، وإنما قد يحكم الرجل على أخلاق هذا النوع من النساء انطلاقا من الكتب التي تقرأها، وهل هناك أسوأ من أن يتحول الكتاب إلى تهمة؟ فمن تقرأ لنوال السعداوي أو فاطمة المرنيسي وغيرهما كثيرات، فهي مشروع انحطاط وانحلال لا محالة ببساطة لأنها لا تلتزم بالوقوف في الصف المعهود ولا تتبع سياسة القطيع.

ناهيك عن دور المدرسة والإعلام في تشكيل نظرة ورأي الأجيال الناشئة عن المرأة التي يتم التعاطي مع شؤونها بطريقة تظهر أنها لم تخلق سوى لتكون ضعيفة وخاضعة ومطيعة، وأنها إن طالبت بحقوقها فهي بالتالي عليها ألا تحب وألا تعبر عن مشاعرها وألا تتزوج وإلا سيعتبر ذلك تناقضا لما تناضل من أجله، وهنا مرة أخرى يظهر سوء الفهم الذي تحدثنا عنه في الصفحات الأولى والذي يتخذ من موضوع مطالبة النساء بالمساواة مع الرجل معيارا لتصنيف المرأة التي عليها أن تختار بين الكفاح من أجل حقوقها أو الانصياع وتقبل الواقع المهزوز شكلا ومضمونا.

وختاما، مازلت أطرح السؤال الكبير لماذا مازال ينظر المجتمع لموضوع المساواة بين الرجل والمرأة من منظور العدائية والصراع والتضاد ولماذا تتعامل شريحة كبيرة منه معه بشكل كوميدي لا يستحق أي أهمية؟

إننا لسنا في حرب ولا ندعو إليها ولسنا بحاجة لانقسامات بشعارات مثل ذلك المسلسل المصري "يا رجال العالم اتحدوا"، ولا نرغب أن تفكر النساء قائلات: "يا نساء العالم اتحدن".

إننا نطمح إلى اتحاد معا بين النساء والرجال وليس العكس، وعلى من يحاولون جاهدين إحباط عزيمة المرأة بمختلف الوسائل والطرق أن يعلموا بأنها تعتبر محاولاتهم فاشلة وليست أكثر من نهش بأسنان مستعارة.

مقروء مرة555




وجهة نظر

موسم الرحيل..

الخريف آتٍ

تدليس بنشماش

احتجاجات الأساتذة المتعاقدين وسياسات تسليع التعليم

استعباد الأساتذة تحت مسمى التعاقد

موت المدرسة

المرأة السياسية

أطفال هاربون من ظلم الوطن، وجحود المجتمع

جبهة الكذابين

العدل والإحسان ليست جريمة