“العصا فالرويضة”



“العصا فالرويضة”
بقلم : بهيجة زوهري

عشية الاحتفالات بالسنة الجديدة، وشوارع متقدة بشجر الميلاد الرخيص الجاذب للانتباه أكثر من جذبه للاحتفال، لأننا لا نحتفل لنا طربا وفرحا؛ بل نحتفل للآخرين وبالآخرين، ونرقص للآخرين ونغني للأغيار… أجدني في سعار حقيقي مع عدة نسوة التقيتهن بالصدفة من عائلتي يتحدثن عن الأعشاب والرقى وتتبع سبيل الأساطير والخرافة. يذهب البعض إلى تقديم كل دلائل الإثبات؛ حتى وإن لم يتعرض لأي حدث أو مرض أو مصلحة لاستعماله. نعتهن بعرقلة سير العلم وتقدمه، فنعتنني بالسذاجة وقلة التجربة، وبأني حين أنكر بعض الرقى فأنا “زنديقة”.. هكذا دون مقدمات ولا حجاج.

بعض الأشخاص لديهم شهادات عليا؛ لكنهم يتحججون بالتجربة، وبأنهم عاينوا النتائج بأمّ أعينهم. هؤلاء يقفون في وجه تقدم الطب والعلم والتكنولوجيا. يعترفون بتقدم الغرب ونجاعته؛ لكنهم ينكرون هذا مع أنفسهم ومجتمعهم. تعيش شريحة كبيرة من المجتمع المغربي في شرنقة ترفض رؤية الواقع بعين رافضة للحقائق والسعي نحو الأساطير لتحقيق نوع من التغطية للعجز والخوف، ورفض للتصديق بالمرض النفسي أو العضوي.

أول أسطورة يتناقلها المغاربة، حتى الأطباء منهم والمثقفون، هي “البرد”. لا أقصد، هنا، البرد كشعور طبيعي ببرودة الطقس؛ بل كخرافة تهيمن على ذهن المجتمع. هذه الأسطورة المنظرة لكل الأمراض النفسية والعضوية، خصوصا ما هو متعلق بالعجز الجنسي أو القدرة على الإنجاب، حيث يعتبر الدور الأساس للوجود البشري لديهم واهتزاز صورته يعرضهم للسخرية ونقص في المكانة الاجتماعية. “البرد” سبب الطلاق والزواج، وسبب نقص الأوكسجين، وارتفاع نسبة ثاني أوكسيد الكاربون في العديد من الأماكن العامة والخاصة ينتج عنه آلام في الرأس، سبب إلغاء كل نزهات الأطفال الذين ظلوا يحلمون بنهاية الأسبوع، سبب عدم ممارسة الرياضة والخمول في المنازل، هذا الغول المتوارث الذي يقتل كل همة أو رغبة في النشاط والفرح.

البرد” قد يذهب أبعد من هذا، فقد يعطل شفاء الكثير من الحالات المرضية أو يفاقم مضاعفاتها. هذه الأسطورة المغربية التي تعطل كل مرافق الحياة، خاصة في فصل الشتاء، وتحرم العديد من المتعة النفسية والجسدية. يفاقم هذه الأسطورة اليأس العام في التطبيب وعدم القدرة على تكاليف العلاج مع شبه انعدام للصحة النفسية وغلاء أسعارها، إضافة إلى استحالة اعتراف بعض الناس بالمرض واعتباره قدرا إلهيا يستدعي التسليم والاستسلام.


الأسطورة” الثانية التي تنخر ذهن المغاربة وتسيطر عليه هي “الأعشاب”، كيفما كانت وحيثما كانت؛ فأمام تراجع الحق في الصحة والتطبيب، ازدهر سوق الأعشاب وسماسرة الأعشاب وأطباء الأعشاب، فبمجرد نشر أحدهم لمعلومة تفيد شفاءه من أحد الأمراض أو استضافة أحد الدجالين في الفضائيات العربية أو أمواج الإذاعات حتى يصبح مرجعا علميا يتهم منكره بالجهل والكفر !!!!
صحيح أن الأعشاب الطبية والعطرية ظلت، منذ سالف العصور، تمثل أدوية للعديد من الأمراض؛ لكن الطب الحديث يعتمد عليها في صناعة الأدوية بجرعات محددة وطرق علمية تبنى على تحليلات مخبرية، وليس على خلطها كيفما اتفق وعدم الدراية بأعراضها الجانبية.

أصبحت الأعشاب تمثل لدى الكثيرين بديلا لكل علاج وتختلط استعمالاتها بين ما هو خرافي وحقيقي، بين ما هو مرتبط بالدجل والشعوذة ، وبين ما هو طبي واستشفائي. يتداخل ما هو اجتماعي بما هو سيكولوجي. الهروب نحو عوالم غيبية لتفادي الإحساس بالعجز. تضاف إلى ذلك مجموعة من الأساطير والخرافات كالجن، وكأن الجن لا شغل لهم، إذا افترضنا وجودهم أصلا، غير تتبع الإنس واختراق عوالمه.

الأسطورة الثالثة التي تكاد تفقد المغاربة صوابهم هي “العين” أو “الحسد”، فلا يخلو خطاب الأغلبية في كل مجالات الحياة عن هذا المرض الغامض والغريب؛ فاللاوعي يصعب عليه التخلي عن هذا الاتهام الجاهز لكل مشاكل الحياة، فالفشل والإحباط سببهما “العين”، شماعة تعلق عليها كل خيبات الحياة وانتكاساتها. إن رفض تحمل المسؤولية وعدم الاقتناع بالفشل كطريق للنجاح يدفعان الناس إلى الاعتقاد برغبة الآخرين في تدميرهم والقضاء عليهم وكره نجاحهم.

أقول لكل هؤلاء الذين يذكون نيران الفكر الخرافي: إنكم تضعون “العصا” في “العجلة”، عجلة التقدم والعلم، وتسهمون في إرجاعنا إلى الوراء قرونا وعقودا وسنوات.

مقروء مرة1638




وجهة نظر

كراء حق القنص وأثره على المجال الغابوي والساكنة القروية

اللحية والنقاب لا يصنعان الإرهاب

الإيمان في القلوب لا في النقاب

“العصا فالرويضة”

لسنا ضد دارجتنا، ولكن ….

من قتل السفير الروسي؟؟

خبايا الالتراس

هل يسير البرلمان المغربي نحو دورة تشريعية بيضاء؟

المشروع البيداغوجي: من الفعل المدرسي إلى الأثر الاجتماعي

لماذا نكتب؟