الشّْرابْ في راسْ العام..



الشّْرابْ في راسْ العام..
بقلم: سميرة مغداد

يعرف أهل طنجة والشمال اسم “سرْبيسا” جيدا، وهي الجعة باللغة العربية أو “البيرة” في باقي مناطق المغرب.

الناس الذين كانوا يشربون “سربيسا” في أيامنا الطنجاوية كانوا دوما خارجين عن السياق ويُنظر إليهم باستغراب وأحيانا ببعض الإعجاب.

أول مرة أسمع هذا الاسم كان في كاستييخو، أو مدينة الفنيدق، حيث كان قريب من العائلة يخزن كراطينا من هذه “السّرْبيسا” ويدعو إليها بعض الأقارب في منزل آخر بعيدا عن عيون العائلة، لكن زوجته كانت تعلم وتفضحه حينما يسألها أحدهم عنه ترد بمكر “إنه هناك في منزل بالهضبة”.. وبالريفية تقول” ايسس سربيسا”، أي ذهب لاحتساء الجعة.

كان رجلا كتوما جدا ولم نشهد له ونحن صغار بسكر طافح. بل لعل هذه السربيسا تجعله أكثر هدوءا وطيبة.

علاقتنا كأطفال بهذا الشراب كانت مشوبة بالحذر. فمن يشرب هو رجل سكير مصيره النار. في المقابل كنا نتلقى كل راس العام من قريبنا سي أحمد، الرجل المتدين الوقور، هدايا عبارة عن كؤوس زجاجية طويلة مكتوب عليها اسم “فلاغ سبيسيال”، كنا نحتفظ بها في الفيترينا دون أن نجرؤ للشرب فيها.. وسي أحمد رجل ريفي جاء إلى طنجة طفلا صغيرا وعمل منذ شبابه كسائق لشاحنة تنقل “سرْبيسا”.. والشراب الحرام، لكنه عمل بالمقولة الشهيرة “الخدمة مع النصارى ولا لكْلاس خسارة”، كان رجلا تقيا لم يذق في حياته قطرة من خمر أو مسكر، كافح من أجل أولاده الثمانية ومن بينهم من أصبح رياضيا مشهورا بالمدينة. كنا نتعايش مع الشاربين والعاملين في المجال بتسامح ونترك الحسم في الحلال والحرام لتقدير الله عز وجل.



ربما سر هذا الاهتمام هو تواجدي اليوم في أجواء الاحتفالات بأعياد راس العام في العاصمة الهولندية أمستردام، والمكانة التي يحتلها النبيذ وأخواته في دنياهم والاهتمام الواسع به من الأوروبيين وغيرهم ممن يحتسي الشراب، لذلك حضرتني صورة قريبتي الوزنة، الأرملة التي هاجرت من الريف لتعيش مع شقيقها أستاذ الرياضيات في طنجة قبل أن يتزوج، وكان يحتسي بعض الكؤوس بين الفينة والأخرى ليلا في غرفته، وكانت كلما وجدت الزجاجات الفارغة صباح اليوم التالي تستعيذ بالله من كل شيطان رجيم وترفع القنينات الفارغة بعصى دون أن تمسها وترميها في القمامة وهي تلعن الخمر والسكارى دون أن تنبس ببنت شفة أمام شقيقها المعيل لها حينما يكون في البيت.

لم نشهد في طفولتنا رجلا يعربد بسبب سكر علني. كانت أخبار السكارى تأتينا من بعيد، وكان الخوف كل الخوف نستشعره من تحذيرات الوالدين ليلة راس العام. كنا نسمع عن أمور السكارى وما يقترفونه من مخالفات وحوادث. ومثل الوزنة نساء كثيرات فعلن وسترن أزواجهن السكارى وطلبن الله في صلواتهن أن يعفو عنهم.

لقد كان مبرر السكر، غالبا، هو الهروب من ثقل المسؤولية والظروف الصعبة. وهناك فعلا من أنهى حكايته مع الشراب بسلام .

الأوربيون يحتسون من أجل الفرح والمرح ولم يحدث أن التقيت معربدين أو شاتمين في شوارع هولندا.. الخمر شرابهم العادي تقريبا خاصة البيرة…

كل هذا دار في رأسي وأنا أتأمل راس العام بالخارج، حيث زُيّن للناس شرب الخمر فزوقوا الزجاجات وأبدعوا في تقديمها كسلعة تصنع السعادة أو تساهم فيها على الأقل.. هي مغريات الحياة عند النصارى ولعبة الاقتصاد الأوروبي الاستهلاكي.. أنا هنا أتفرج على الحياة التي لا تشبهني وتلهمني في كتابة هكذا مقال أو سطور..

حياة الهولنديين مليئة بأشياء أخرى ويعيشون كل أيامهم يخططون لكل شيء تقريبا ويبحثون على متع صغيرة وكبيرة، والشراب الحرام حلال في ثقافتهم يسعدون به في احتفالاتهم وأعيادهم، وتلك طقوسهم التي يتقنونها وتلائمهم جدا. .أما نحن فلم نختر بعد الحياة التي نريدها كنموذج.

نسكر ونعربد وقد نشعر بالسعادة، لكننا لم نجد أنفسنا بعد ولم نقدم عنوانا بعد لخصوصيتنا الثقافية والوجودية .نريد أن نحاكيهم أحيانا ونشرب الخمر مثلهم لكننا لسنا سعداء مثلهم.
هم يشربون ليسعدوا ونحن غالبا ما نشرب أنخاب التعاسة والفشل لننسى. دعونا في شرب الشاي، الموضوع شائك جدا اختلط فيه الحابل بالنابل.

المهم سأدخل سوق راسي نهاية العام في انتظار العام الجديد الذي قد يحمل لي ولكم معاني السعادة بمذاق الشاي بالنعناع لحرش أو الشيبة بعيدا عن أي مشروب أو شراب حرام.
عاش الشاي المغربي الأصيل..
كل عام وأنتم بخير..

سميرة مغداد* مديرة مجلة “سيدتي” بالمغرب

مقروء مرة928




وجهة نظر

أكلت يوم أكل الثور الأبيض

ليس في القنافذ أملس !

حزب المؤخرة

تبوّلوا على القانون والأخلاق..

جماعة الدريوش: من الموت الكلينيكي إلى محاولة التقاط الأنفاس

استقالة المعارضة بمجلس الدريوش .. استسلام لأمر الواقع أم خطة لالتقاط الأنفاس ؟

كرة الندم!

شربة مـاء..

عودة الأمازيغية في شمال إفريقيا

الإنتخابات التشريعية الإسبانية الأخيرة .. معطيات وأرقام