أطفال هاربون من ظلم الوطن، وجحود المجتمع



أطفال هاربون من ظلم الوطن، وجحود المجتمع
فاطمة واياو

هل يمكن الحديث عن تنمية اجتماعية وحقوقية، في مجتمع يعاني أطفاله من وضعية مزرية؟ كيف يمكن للدولة المغربية أن تتنصل من واجبها اتجاه أبناءها، كيف يمكن أن نربي رجال ونساء الغد على حب الوطن واحترام قيمه، في وقت يدير ظهره لهم بل ويتمادى في المتاجرة بفقرهم وبؤسهم؟

مناسبة هذا الكلام التقرير الأخير الذي نشرته اليونيسيف، فرع اسبانيا يوم 27 فبراير 2019 حول الأطفال المغاربة المتواجدين على التراب الإسباني كمهاجرين سريين قاصرين غير مرافقين. حيث أورد التقرير أن ما يناهز 8841 قاصرا، حوالي 8470 منهم ذكورا، فيما عدد الإناث يقارب 371 طفلة، مما يشكل نحو 68% من مجموع الأطفال القاصرين الأجانب غير المرافقين بإسبانيا، المتواجدين بمراكز الرعاية وحماية الطفولة. ويمكن القول أن هذه الأرقام لا تعكس الحقيقة المهولة لهؤلاء الأطفال، ذلك أن التقرير اعتمد فقد لوائح هذه المراكز، وكما هو معلوم فإن هناك أطفالا على امتداد التراب الاسباني، إما أطفال شوارع أو في أحسن الأحوال الملتحقين ببعض المعارف أو عائلاتهم، ناهيك عن باقي الدول الأوروبية خاصة ايطاليا وفرنسا وبلجيكا.

إن المتتبع لقضية الهجرة السرية للقاصرين عير المرافقين التي تعتبر إشكالية وعثرة في وجه العلاقات الأوروبية المغربية حيث أن تزايد عدد الأطفال غير المرافقين الذين عبروا إلى الضفة الأوروبية في سنة 2018 وحدها يقف عند حقيقة صادمة وهي أن الحكومة المغربية تغض الطرف عن تسرب هؤلاء الأطفال في مقابل الضغط على الحكومات الأوربية من أجل تلقي مكاسب سياسية ومالية. والسؤال المشروع الذي يتوجب علينا طرحه هو: هل الأطفال المغاربة مجرد ورقة ضغط، وكيف لحكومة مسئولة لا تحرك ساكنا أمام هذه الأعداد الهائلة من الأطفال العالقين بمراكز الإيواء المنتشرة في كل من سبتة ومليلية ومنطقة الأندلس؟ وإذ تتحمل الدولة المغربية المسئولية كاملة أمام هذه المأساة، فانه لا يمكن للمجتمع المدني ممثلا في الجمعيات النسائية والحقوقية وفي النقابات وجمعيات الطفولة أن يتنصل أيضا من مسؤولياته اتجاه الأطفال المغاربة. ذلك أن الطفل المغربي هو ابن المجتمع ككل، وهو ابن الدولة المغربية بشكل خاص قبل أن يكون ابن والديه، فكيف إذن تسمح الحكومة أن يعاني أطفالها من التهميش والفقر والحيف والظلم ما يدفعهم لسلك طريق الهجرة السرية بكل مخاطرها.

فهل انتبه المجتمع برمته لظاهرة تشغيل الأطفال ضحايا الهذر المدرسي، وظاهرة أطفال الشوارع، وظاهرة دعارة الأطفال، وظاهرة التجار في الأطفال من قبل مافيا الهجرة السرية، وأخيرا ظاهرة الإدمان بكل أنواعه، وقضية الحرمان من التعويضات العائلية بسبب عطالة الأب أو عدم انخراطه في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؟



فهل سبق إثارة إشكالية خطيرة تعاني منها العديد من العائلات التي تم طردها من العمل أو التي أغلقت الشركات وأصبح الأب أو الأم أو كليهما عاطلين، حيث يحرم أبناءهم من الإعالة حتى وهم في سن التمدرس، كيف يمكن أن تسمح الدولة والمجتمع أن يحرم أطفال من حقهم في النفقة رغم محدوديتها وضآلتها بسبب وضعية آباءهم المفروضة عليهم. هل سبق لجمعية أو لنقابة أو لبرلمانيين أن أثاروا الموضوع؟؟؟؟ إن عدد هؤلاء الضحايا غير معروف غير أنه ورغم شح التعويضات إلا إنها تعد حقا مشروعا لكل أطفال المغرب دون استثناء أو تميز، كيف يمكن لحكومة ومجتمع يشترط عمل الأب لكي يتمتع بحقه في التعويضات؟ فمهما كان سبب عطالة الأب عن العمل أو عجزه عن دفع مستحقات الضمان الاجتماعي، فإن الأطفال لا يتحملون المسئولية في ذلك ليتم عقابهم بالحرمان من حقهم المشروع والقانوني والإنساني بمقتضى الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي صادق عليها المغرب. 

إن هؤلاء الأطفال قد يؤدي بهم الأمر حتما للتخلي عن الدراسة أمام عجز الآباء عن توفير ظروف التمدرس، وفي مرحلة ما قد يصبح طفلا مشردا في الشارع، حيث يكون مصيره في سن المراهقة الدعارة أو ضحية الاتجار بالبشر أو الهجرة السرية. كيف إذن يتم التغاضي عن هذه المشكلة، ولولا التضامن الأسري الذي أصبح بدوره يتقلص لأصبح العديد من الأطفال المحرومون من التعويضات العائلية عرضة للحرمان من التمدرس ناهيك عن التطبيب ومختلف الحاجيات الأساسية. 

هذا المعطى يدفعنا للتساؤل عن موقف النقابات والجمعيات الحقوقية من هذه المشكلة، ولماذا هذا الصمت المشبوه حيث أنها لم تطالب بحق كل الأطفال المغاربة في التعويضات العائلية بغض النظر عن وضعية آباءهم؟ كما يجب التساؤل عن غياب معطيات دقيقة حول هذه الظاهرة، لدرجة أن هناك أجيالا تربوا وهم لا يعلمون حتى بوجود نظام للتعويضات العائلية بالمغرب على علاته ونواقصه.



إن الحديث الآنف أعلاه عن الهجرة السرية للأطفال المغاربة غير المرافقين إلى أوروبا، لا يمكن النظر إليه إلا من خلال تحميل الدولة المغربية المسؤولية الكاملة أمام هذه الظاهرة، وهو أمر لا يمكن أن نحمل فيه العائلات العاجزة عن توفير أقل الحاجيات الأساسية لأطفالها. وبالتالي على الحكومة المغربية الحالية التي ما فتئت تعلن حرصها على حماية الأسرة المغربية أن تعيد النظر في نظام الحماية الاجتماعية لكل الأطفال المحرومين منها دون تمييز . كما عليها أيضا أن لا تتاجر في مأساة الأطفال المغاربة وهي تتفاوض مع الاتحاد الأوروبي حول محاربة الهجرة السرية والإرهاب فقد أورد موقع DW الألماني على لسان الباحثة الألمانية كريستيانه فروليش في قضايا الهجرة "أن الرباط تلجأ إلى التصعيد مع أوروبا في هذا المجال وتقول إن أوروبا لا تريد مهاجرين ونحن من نستطيع منع ذلك، لكي تحصل على المزيد من المساعدات مثل تركيا ودول أخرى تتعاون مع الاتحاد الأوروبي في هذا المجال" .

مقروء مرة401




وجهة نظر

استعباد الأساتذة تحت مسمى التعاقد

موت المدرسة

المرأة السياسية

أطفال هاربون من ظلم الوطن، وجحود المجتمع

جبهة الكذابين

العدل والإحسان ليست جريمة

انفلونزا الخنازير أم انفلونزا الفساد؟

صبرا آل الزفزافي..

كيف ماتت إخلاص؟

«قاضي مسيس؟»